الشيخ محمد هادي معرفة
256
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
من باب قوله : « فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » . « 1 » ومن لطائف سورة الكوثر أنّها كالمقابلة للتي قبلها ( سورة الماعون ) . لأنّ السابقة قد وصف اللّه فيها المنافق بأمور أربعة : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة . فذكر هنا في مقابلة البخل : « الكوثر » . وفي مقابلة ترك الصلاة « فَصَلِّ » . وفي مقابلة الرياء « لِرَبِّكَ » وفي مقابلة منع الماعون « وَانْحَرْ » . فاعتبر هذه المناسبة العجيبة . وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح ، وسورة الكهف قبلها بالتحميد ، لأنّ التسبيح حيث جاء مقدّم على التحميد ، يقال : سبحان اللّه والحمد للّه . « 2 » هذا كلامه المتكلّف فيه تكلّفا ظاهرا ، ومع ذلك فهو من خير ما قيل في هذا الشأن . أمّا من تأخّر عنه كجلالالدين السيوطي وزميله برهانالدين البقاعي وأضرابهما فقد زادوا تمحّلًا في تكلّف وأتوا بغرائب الكلام . هذا جلالالدين السيوطي ( 849 - 911 ) - مع سعة باعه وكثرة اطلاعه - نراه قد هبط في هذا الاختيار إلى حدّ بعيد ، يختار أولًا فيما زعم ما قاله البيهقي : إنّ ترتيب كلّ السوَر توقيفي وقع بأمر من الرسول صلى الله عليه وآله سوى سورتي الأنفال وبراءة ، فإنّ ترتيبهما - حسبما زعم - من صنع عثمان بنعفان . قال : وقد استقرّ التوقيف في العرضة الأخيرة - التي عرض القرآن فيها على رسول اللّه - على القراءات العثمانية ؟ ! ثمّ يعتمد ما ذكره بعضهم : أنّ لترتيب وضع السوَر في المصحف أسرارا دقيقة وأسبابا حكيمة تطّلع على أنّه توقيفي صادر من حكيم : الأوّل : بحسب الحروف المقطّعة في أوائلها ، كما في توالي السوَر الحواميم السبع : « حم المؤمن ، حم السجدة ، حم الشورى ، حم الزخرف ، حم الدخان ، حم الجاثية ، حم الأحقاف » . وتوالي المبدوّات ب - « الر » وهي ستّ سور : « الر يونس ، الر هود ، الر يوسف ، المر الرعد ، الر إبراهيم ، الر الحجر » . الثاني : لموافقة آخر السورة لأوّل ما بعدها ، كآخر الحمد في المعنى مع أوّل البقرة .
--> ( 1 ) - القصص 8 : 28 . ( 2 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 38 - 39 .